jueves, 24 de febrero de 2011

المسلمون والانفتاح "تعبيرات مشتركة وأخرى متقاطعة


مصطلح الانفتاح على الغرب بحد ذاته يشير إلى واقع تعيشه الجماعة الاسلامية الموجودة في الغرب .. أي أن المسلمين بسبب أو لآخر يعيشون في عزلة شعورية واقعية عن المجتمع الذي يحيون فيه .
وعندما نتكلم عن الجماعة المسلمة هنا ، نقصد كل من ينتمي إلى الاسلام بصورة أو أخرى ، وافداً كان أم من أهل البلاد ممن اعتنق الاسلام حديثاً أو من الأجيال التي ولدت ونشأت وترعرعت في هذه المجتمعات  .
والوافدون منهم من هو حديث عهد ، أو منهم من استقر وحصل على جنسية البلاد وولد له الولد والحفيد فيها  .
وكلنا يدرك بأن أعداد المسلمين في بعض البلدان الغربية أصبحت تشكل جزءاً هاماً من مجتمعاتها .

الأسباب الطبيعية :

ولعل أبرز أسباب الانغلاق والتقوقع  والانعزال الشعوري والواقعي تلك التي ترافق عادة الهجرات مهما كان نوعها وتحصل عند الشعوب كافة وهي أسباب طبيعية بحتة .
أولاها : اللغة : فاللغة وعاء الثقافة، والآلية المثلى في التواصل بين البشر، واختلاف اللغات يؤثر في تكريس الانغلاق ويحول دون الانفتاح على شرائح المجتمع ومعرفة اللغة يسهل الانفتاح ويوطد التعايش .
ثانيها : الدين والثقافة : وهما عنصران هامان في بناء جدار العزلة والتباعد  ، وسببه فيما نعتقد هو جهل كل طرف بما لدى الآخر من عقيدة وثقافة ودين ، وينجم عن ذلك موقف وجوم وخوف فالإنسان عادة عدو ما يجهل .
ثالثها : الوضع الاجتماعي : إن معظم أفراد الجماعة المسلمة من المهاجرين الذين قصدوا هذه البلاد بحثاً عن الرزق ، وفي معظم الأحيان يعملون في مهن زهد بها أبناء أهل البلاد ، وتركوها للوافدين الذين لايمتلكون التأهيل الكافي الذي يمكنهم من الولوج إلى مهنة عالية المكانة والمردود الاقتصادي ، مما يولد شعوراً ذاتياً بالدونية لدى الأفراد ودفعهم للإنغلاق والانعزال .
رابعها : مواقف الأفراد والجماعات المنظمة من المهاجرين : في المجتمعات عموماً ، ومواقف عدائية من ظاهرة الهجرة ، وناجمة عن الخوف من أن يأخذ المهاجرون أماكن عمل سكان البلاد أو التأثير في نمط الحياة فيها ، وقد ظهر مؤخراً في بعض البلدان الأوربية جماعات منظمة عنصرية الفكر والاتجاه لها موقف عدائي واضح من المهاجرين أدى في كثير من الأحيان لأعمال عنف وقتل .

الأسباب الذاتية :

على أن أبرز العوامل التي ولدت الشعور بالانغلاق والالتفاف حول الذات وعدم الاندماج في المجتمعات الغربية هي :
ـ كون كثير من أفراد الجماعة الاسلامية من مستوى ثقافي وعلمي لايؤهلها للوقوف أمام هيمنة الثقافة المؤثرة والدين الغالب ، فتلجأ عادة إلى الاحتماء ببعضها البعص مشكلة أحياء متجانسة السكان ( جيتو ) وتنغلق على نفسها وتشعر بالارتياح نتيجة لهذا العمل .
ـ كما أثرت بعض المفاهيم غير الناضجة على اتخاذ التصرف الانعزالي منها مفهوم ( الولاء والبراء) مع أهل البلاد  : لقد رأينا كيف يتصرف بعض الشبان ممن تزوج من أهل البلاد كيف يعلمون أولادهم ضرب أولاد النصارى ؟ لأنهم كفرة وينشئونهم على احتقار الآخرين وكرههم ، ومثل هذه المواقف تؤخذ ذريعة من الذين يكرهون الوجود الاسلامي لتنمية حس الكراهية والبغض للمسلمين في المجتمع .
ـ  عدم الاستقرار النفسي لدى كثير من المهاجرين نظراً للقلق المستمر والتساؤل المتواصل هل يبقى في هذه البلاد أم يعود إلى بلاده التي أتى منها ؟ على الرغم من مرور العقد تلو العقد من السنين ، فقد تزوج وأنجب وهو يفكر بالعود .
ـ على أن المواقف المتباينة من قضية الحصول على جنسية البلد الذي يقطنه وبالتالي التمتمع بحقوق وواجبات المواطنة فيه كانت سبباً مباشراً في اتخاذ المواقف الهامشية المبتعدة عن التأثير والاندماج في مؤسسات المجتمع المدنية والسياسية .
ـ هناك بعض  الظواهر التي تركت أثراً سلبياً على الوجود الاسلامي في أوربا وهو تنامي عدد المسلمين في أماكن محددة ـ نظراً لعدم وجود سياسة توزيع لليد العاملة المغتربة ـ مما أدى للخلل الخطير فكون ثلثي عدد سكان بلد مثل ( إِليخيدو ) في جنوب اسبانيا من المهاجرين المغاربة ، استغل للتعبير عن موقف رافض للهجرة والمهاجرين واتخاذ موقف عنيف نحوهم ، ويشبه ذلك حرق منازل بعض الأتراك في ألمانيا ، على أننا نشير بأن هذه الظاهرة لاتقتصر على المسلمين فحسب بل تعم غيرهم من الأديان الأخرى ، إلا أن الأمر تجاه المسلمين يزداد حدة نظراً لما بيناه في مطلع الحديث عن العوامل الطبيعية التي تتولد لدى كافة الشعوب وترافق حركات الهجرة بصورة عامة  . وكثير من الهجرات استطاعت التكيف بسرعة كبيرة إذ كان المهاجرون يتكلمون نفس اللغة ويعتقدون بنفس الدين  ولديهم ناظم مشترك في التركيبة الثقافية والعلاقات الاجتماعية مما يسهل لهم الاندماج بسرعة كبيرة مقارنة  بمن لايملك نفس المعطيات .

مواقف ايجابية لا بد منها

إن هناك ضرورة ملحة للتعرف على المجتمعات الغربية في المنحيين الأفقي والعمودي ، الأفقي في مجال الحركة اليومية والتعامل الاجتماعي والفكري والتعرف على التيارات المكونة لها ولمذاهبه السياسية والاجتماعية .
وفي المنحى العمودي القائم على العمق التاريخي ، ومؤسسات المجتمع المختلفة السياسية والاجتماعية والقانونية والدينية التي تنظم الحياة العملية والفكرية للمجتمع الذي نعيش فيه .
ومن معرفتنا لهذه المعطيات يصبح بمقدورنا اتخاذ مواقف واضحة من قضايا أساسية في بنية النظام الغربي .
ففي مجال التنظيم السياسي ، والديمقراطية نجد المواقف متباينة منها في صفوف المسلمين .. ونحن نرى أن تحديد الموقف من التنظيم السياسي الذي تقوم عليه كافة الدول الغربية بفصل السلطات واستقلالها ، واعتماد النمط الديمقراطي على أنه الأصلح من النظم ممكنة التطبيق ، بشكل ايجابي معلن وصريح ، يريح السلطات في الدول المختلفة ، ويفوت على المغرضين الفرصة في رمي الفتنة بين المسلمين والحكومات الغربية .
أيضاً مسألة فصل الدين عن الدولة ، هي من العمق في بنية أوربا خاصة والغرب عامة ، فقد جاءت نتيجة ممارسة وتجربة طويلة مع الكنيسة الكاثوليكية .
ورأى المشرعون من أهل البلاد بأن علمانية الدولة ـ أي أن لا تتبنى الحكومة ديناً أو معتقداً معيناً ـ يضمن المساواة والحرية والعدل لكافة أبناء البلد الواحد .
ونحن نرى ـ وخاصة كون المسلمين في هذه البلاد أقليات موزعة ـ أن هذا النمط من الحكم الذي لايدين بدين معين أو توجه أيديولوجي محدد كالوطنية الاقليمية أو سواها ، يناسب وجودنا ويحميه ، ولا أطلق هذا الأمر إطلاقاً ، وإنما أقول من حيث المبدأ ربما يكون الأنسب لنا في هذه البلاد . وهذا فيما يتعلق بالدولة لا بالفرد المسلم .
وأمر آخر هو قبول دستور وقوانين البلاد على ما فيها مما يخالف بعض الفرعيات من الدين ، والقبول لايعني بحال الرضا والموافقة على كل ماجاء فيها .
ونحن نعتبر الدار بالنسبة للمسلم هي التي يستطيع أن يمارس فيها أحكام دينه ، فهي دار إسلام ولو كانت على المستوى الفردي   .
( إن دار الكفر تصبح  دار إسلام مادام يأمن فيها المسلم على نفسه وعرضه وماله ، ويتمكن من إقامة فرائضه من صلاة وصيام ونحوها .. وكره للمسلم تركها إذا طمع في إسلام أحد على يديه ) الماوردي .
ولا يظنن أحد ، بأن الدساتير الموجودة والقوانين المطبقة النافذة حالياً في البلاد الغربية قاطبة ، هي موضع رضا وقبول كاملين من كل الناس . بل هي موضع تعديل وتطوير دائمين  .
ومن الأمورالايجابية التي تدفع بعجلة اندماج المسلمين في المجتمعات الغربية ، تنمية القيادات التي تعبر ذاتياً عن الجماعات الاسلامية المنتشرة في المجتمعات الغربية وخاصة القيادات الوسطى منها ، تلك التي تلتحم بالقواعد الاسلامية والقادرة على ايصال طموحاتها وآمالها للقادة فيها  .
ومنها أيضاً إقامة العمل التنظيمي على أسس جماعية بتكوين المؤسسات وإعداد الأطر التي تحافظ بل وتنمي الأعمال وتعمل على استمرارها وخاصة بتكوين الأطر التحتية المعدّة والمناسبة للحفاظ على هوية الجماعة المسلمة الدينية أصلاً والثقافية بانتمائها العرقي المختلف .

خطوات يجب أن تتبع :

وإذا أردنا أن نبدأ بخطوات في هذا الصدد علينا تكوين فرق عمل تنطق باسم الجماعات الاسلامية في كل مستوى وعلى كل صعيد في البلديات والمقاطعات وعلى مستوى البلد الواحد أو في الاتحاد الأوربي حالياً ، تكون قادرة على الحوار والإدلاء بالتصريح المناسب في الوقت المناسب   .
         والمشاركة في المنظمات الأهلية للدفاع عن ، بل ولتبني قضايا تهم الجميع  كالحفاظ على البيئة أو لدعم حقوق الانسان أو قضايا الأخلاق الحيوية أو تأييد السلام العالمي  . كل هذا يفتح للمسلمين مجالات شتى ويدرب الأفراد ويسهل لهم السبل للوصول لمبتغاهم   .
وعلينا إدراك دور وسائل الإعلام ، في توجيه الرأي العام والتحكم بعواطف وآراء المجموعات البشرية في التأثير على الأفكار والمعتقدات  . إذ تقوم هذه الوسائل المستخدمة من مجموعات الضغط  ( اللوبي ) باستغلال كافة الأخطاء وتوظيفها ضد آخرين ، أو تهول الأعمال الصغيرة لشخص ما  أو مجموعة ما لرفعها لأعلى عليين ضمن خطة مرسومة المعالم . فعلى الجماعة المسلمة في كل مكان عدم إغفال هذه الوسيلة التي أصبح لها دوراً أساسياً في حياتنا   .
وأما الموضوع الملح الذي لم يلق العناية الكافية منا ـ نحن المسلمين ـ هو مشاركة المرأة في المشروع الحياتي للمسلمين في الغرب .. فكلنا يعرف أهمية هذا الموضوع وكيف تركز عليه كافة الدوائر الرسمية والأهلية ، وتتخذه المقياس الوحيد عندما ترغب في التعامل مع المسلمين ، فعلينا المبادرة في رسم الإطار الذي يجنبنا الزلل ويكفل للمرأة دورها الرائد في المساهمة برفع سوية الجماعة المسلمة بما حباها الله من قلب حان صبور، ودأب وغيرة على الدين والأمة ، وعفة وثبات في التصرف والأداء   .       
إن الهجرات إلى أوربا يختلف وقعها على الناس عنها في دول أخرى كأمريكا وأستراليا .. فالأولى تعتمد على صفاء العرق وتجانس المجتمع ، بينما الثانية فقد قامت أصلاً على الهجرات المتتابعة من الجنسيات المختلفة ، والناس فيها كلهم يهجّون أسماءهم وألقابهم دونما حرج  .
والمسلمون الآن في المجتمعات الغربية المتواجدون حالياً في أوربا وأمريكا وأستراليا هم أقليات تزيد أو تكثر حسب قدمها وحداثة عهدها في البلاد ، وهي تجربة جديدة بإجمالها لم يمض على أقدمها رسوخاً نصف قرن من الزمان وهذا الوقت غير كاف لدراستها وتقويمها وتسجيل مواطن نجاحها وفشلها .. ولكن الواجب يدفعنا لرصد كل ما يتعلق بالجماعات المسلمة بهدف الشروع  بهذه الدراسة المتأنية التي تعين على تفادي الأخطاء وتصويبها وتبني مواطن النجاح ودعمها   .
نحن أخيراً أمام موقف لابد من اتخاذه بجرأة وقوة أننا أصبحنا نشكل جزءاً لايتجزأ من هذه المجتمعات ، ورغبتنا جامحة بالاقتراب منها بناء وأمناً لا الابتعاد عنها عزلة وكرهاً .. كل ذلك ينبع من إسلامنا الذي علمنا الوفاء والحب والبذل والعطاء للناس كل الناس  .
ومن خلال خطاب إسلامي شامل يعبر عن مشروع حياتي متكامل يطرح الحلول المناسبة لكافة المشكلات القائمة حتى يضمن لنا المساهمة في حياة الإنسان كل الإنسان ، ولكي نتجنب التهميش والإبعاد ، لابد من المشاركة في تكوين الحضارة ببعدها الإسلامي المشرق الجميل .. فهيّا بنا نحو ا لبناء والعطاء من منطلق الحب والصفاء لكي نرضي رب السماء.

No hay comentarios:

Publicar un comentario